الشيخ محمد رشيد رضا
307
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * * * أقام اللّه الحجة على أهل الكتاب كافة ، ثم بين ما كفر به النصارى خاصة ، فقال لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قال البيضاوي : « هم الذين قالوا بالاتحاد منهم ، وقيل لم يصرح به أحد منهم ، ولكن لما زعموا ان فيه لاهوتا وقالوا : لا إله الا واحد - لزمهم ان يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم ، توضيحا لجهلهم ، وتفضيحا لمعتقدهم ، » وذكر الفخر الرازي في تفسيره ان هذا القول مبني على عقيدة الحلول والاتحاد ، وأنه لازم مذهب النصارى وان كانوا لا يقولونه أو لا يقوله أحد منهم . وصرح بعض المفسرين بان هذا المذهب مذهب اليعقوبية منهم خاصة . وذلك ان السابقين من المفسرين والمؤرخين ذكروا ان النصارى ثلاث فرق : اليعقوبية والملكانية والمسطورية . واعلم أن أمثال الزمخشري والبيضاوي والرازي لا يعتد بما يعرفون عن النصارى فإنهم لم يقرءوا كتبهم ولم يناظروهم فيها وفي عقائدهم الا قليلا ، وانما يأخذون ما في كتب المسلمين عنهم قضايا مسلمة . ومنها ما هو مشهور فيها من تفسير الآب والابن وروح القدس بأنها الوجود والعلم والحياة ، فالقول بها لا ينافي وحدانية الخالق . وكان يقول مثل هذا بعض علماء النصارى لعلماء المسلمين ، والظاهر أن بعض المتقدمين كان يعتقد هذا ، كما أنه يوجد الآن في نصارى اوربة وغيرهم كثير من الموحدين الذين يعتقدون ان المسيح نبي رسول لا إله . ولعله لم يبق في النصارى من يقول بتلك الفلسفة ، لأنهم في كل عصر يغيرون في دينهم ما شاؤوا ان يغيروا في فلسفته وغير فلسفته . وكان أكبر تغيير حدث بعد هؤلاء المفسرين مذهب ( البروتستانت ) أي اصلاح النصرانية ، حدث منذ أربع قرون وصار هو السائد في أعظم الأمم مدنية وارتقاء كالولايات المتحدة وانكلترة وألمانية . نسف هذا المذهب أكثر التقاليد والخرافات النصرانية التي كانت قبله ، ثم استبدل بها تقاليد أخرى فصار عدة مذاهب في الحقيقة ، ومع هذا ترى هؤلاء المصلحين الذين زعموا انهم أعادوا النصرانية إلى أصلها لم يستطيعوا